ابن الجوزي

18

كشف المشكل من حديث الصحيحين

ظن ظان أن المراد بالمدينة دار الهجرة ، وليس كذلك ، إنما أراد بها مكة ، وكل بلد يسمى مدينة . وفي اشتقاق المدينة قولان : أحدهما : أنها من الدين ، والدين : الطاعة ، فسميت بمدينة لأنها تقوم فيها الطاعة والشهادة . والثاني : أنها من دنت القوم : أي ملكتهم ، فسميت مدينة لأن أهلها دينوا : أي ملكوا . يقال : دان فلان بني فلان : أي ملكهم ( 1 ) ، قال النابغة : بعثت على المدينة خير راع * فأنت إمامها والناس دين ( 2 ) ويقال للأمة مدينة ، لأنها مملوكة . قال الأخطل : ربت وربا في حجرها ابن مدينة * يظل على مسحاته يتركل ( 3 ) يريد : ابن أمة فإن قال قائل : لم صرفت المدينة إلى مكة ، وهذا الاسم إذا أطلق أريد به دار الهجرة ؟ فالجواب : أن القوم إنما ساروا يوما وليلة ( 4 ) ، ثم لقوا الراعي ، وقد علم أن راعي المدينة لا يرعى بقرب مكة لبعد المسافة . وفي بعض

--> ( 1 ) ذكر المؤلف هنا قولين يرجعان إلى أصل واحد ، وإنما الخلاف فيها : أهي « مفعلة » من الدين ، أو « فعيلة » من مدن ، ينظر « المقاييس - دان » ( 2 / 318 ) ، ومدن ( 5 / 306 ) ، و « المفردات » و « اللسان » و « القاموس - دان ، مدن » . ( 2 ) « ديوان النابغة » ( 267 ) . ( 3 ) « ديوان الأخطل » ( 263 ) ، و « المقاييس - دان » ( 2 / 319 ) . ( 4 ) ينظر « الفتح » ( 6 / 623 ) .